لم تعوّدنا مصالح وزارة الشباب والرياضة في السابق، على القيام بتحقيقات معمقة في الاتحاديات الرياضية، لكن يبدو أن سوء التسيير الواقع بمختلف أنواعه وأشكاله بعدد من هذه الهيئات الرياضية،

طفا على السطح هذه المرة، فوجدت الوصاية نفسها مضطرة لكشف المستور في بعض هذه الهيئات، التي أصبحت فروعها تئن تحت وطأة تكاسل وحيل مسيرين لا يبحثون سوى عن تحقيق مآربهم الشخصية على حساب المصلحة العامة، متناسين المسؤولية الملقاة على عاتقهم لإعطاء نفس جديد للرياضة بمختلف اختصاصاتها، وأنّ هذه الاتحاديات أنشئت بمرسوم، وهي ذات منفعة عامة، لها دور تربوي تجاه الشباب لتمكينهم من الحصول على التمثيل الدولي في المجال الرياضي.

كشف مصدر رفيع مستوى في الوصاية، عن أنّ ما يقارب عشرة رؤساء اتحاديات رياضية كانوا في الأشهر الأخيرة محل تحقيق من قبل المفتشية العامة لوزارة الشباب والرياضة. وتمّ تحويل ملفات البعض إلى الديوان الوطني لمكافحة الرشوة، وملفات البعض الآخر إلى العدالة، والاتهامات الموجّهة لهؤلاء المسيّرين الرياضيين مختلفة ومتعدّدة، منها ما هو متعلّق بتبديد الأموال أو استغلالها لأغراض شخصية، ومنها ما له علاقة بإهمال وسوء تسيير الاختصاصات الرياضية الموجودة تحت مسؤولياتهم.

ويبدو من خلال التسريبات الأولى للتحقيقات التي باشرتها وزارة الشباب والرياضة، أنّ سوء التسيير والتلاعب بأموال الدولة بلغا حدا لا يطاق؛ مادام أحد المتهمين في هذه القضايا اعترف بتورطه في هذا الفساد الواقع ببعض الاتحاديات؛ لذلك فلا عجب من القول إنّ ما يقع من مساوئ داخل هذه الهيئات له علاقة مباشرة بتراجع رياضتنا على مختلف الأصعدة، بعدما وصلت إلى قمة مجدها في السبعينات والثمانينات، وحصدنا خلالها ألقابا وكؤوسا عالمية وأولمبية، وضعت الرياضة الجزائرية على السكة بفضل تضحيات مسيرين وتقنيين رياضيين أخلصوا لوطنهم وللرياضة الجزائرية، وأدركوا أنّها كانت في تلك الحقبة الذهبية تحوز على رياضيين، كانوا فقط في حاجة إلى من يصقل موهبتهم ويتابع تطوّرهم في الميدان، على غرار ما كان حاصلا في الملاكمة والجيدو وألعاب القوى والكاراتي وكرة اليد، وهي رياضات شهدت ذروة تألقها مختلف دورات الألعاب الأولمبية والكؤوس والبطولات العالمية. وقتها كانت الاتحاديات الرياضية الجزائرية تتواجد على رأسها إطارات رياضية، لها من الحنكة والخبرة لتسييرها وتوفير لها ما كانت تحتاجه من إمكانيات مادية وبشرية بفضل التواصل الذي كان واقعا بينها وبين الوصاية، التي أنشأت مديرية لرياضة النخبة، شكلت في تلك الفترة تجربة ناجحة بعدما اعتمدت على أساليب علمية متطوّرة  في إعداد وتحضير رياضيّي النخبة.

وترجمت الاتحاديات خلال تلك المرحلة الزمنية، دورها الفعال في الميدان بصفتها هيئات رياضية ذات منفعة عمومية، لها دور تربوي تجاه الشباب لإيصاله إلى مبتغاه في الممارسة الرياضية وطنيا ودوليا، لكن دورها في هذا المجال تراجع بشكل مذهل في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة. وحيازتها على استقلالية التسيير في 1989 لم تسمح لها بالاستفادة من كل صلاحياتها مادام تحقيق أهدافها في الميدان مرتبطا أساسا بحجم الميزانية السنوية أو المكملة التي توفرها لها الدولة، وعادة لا تكفيها لتطبيق برنامجها الرياضي.

تشريدٌ، ومطالبة بتطبيق البرنامج الرياضي!

معاناة الاتحاديات في الجانب المالي زادت حدة في أعقاب قيام الوزارة بطردها من مقراتها السابقة بدالي إبراهيم. واضطرت كل واحدة منها لاستئجار فيلات وسكنات لمواصلة نشاطها العادي، حيث زادت أعباؤها المالية. بعض هذه الاتحاديات كانت أكثر حظا من الأخرى في توصلها إلى تقليص هذه الأعباء بشق الأنفس، بعد إبرامها عقودا إشهارية مع مؤسسات اقتصادية خاصة، إلاّ أن مجيء الوزير السابق للقطاع رؤوف برناوي، سمح بإيجاد حل تدريجي لهذه الوضعية بعدما مكّن في الأشهر الأخيرة بعض الاتحاديات، من استغلال المنشآت الرياضية للمركب الرياضي ”محمد بوضياف” بالعاصمة، على غرار اتحاديتي ألعاب القوى والسباحة؛ إذ إنّ كلتيهما قامت بتحويل مقرها إلى هذا المركّب؛ الأولى بملعب ”صاطو” الخاص بتدريبات ألعاب القوى، والثانية بالمسبح شبه الأولمبي المتواجد بمركّب ”محمد بوضياف”. وباشرت اتحاديات أخرى استغلال منشآت هذا المركب على غرار اتحادية المسايفة، التي حوّلت نشاطها إلى المركز النسوي الرياضي لبن عكنون. لكن السؤال يبقى مطروحا بحدّة بخصوص الاتحاديات الرياضية الأخرى، التي لازالت تئن تحت وطأة الإيجار لمواصلة نشاطها الرياضي، والأنظار متّجهة الآن إلى الوزير الجديد للقطاع السيد خالدي؛ من أجل إيجاد حلّ نهائي لمعضلة مقرات الاتحاديات.

وكانت الوصاية وعدت في السابق، بإنجاز مقر جديد في نفس المكان الذي كان فيه سابقا، والقريب جدا من المركز الوطني للطب الرياضي سابقا، لكن لا شيء تحقق منذ ذلك الوقت، فبقيت الوعود، بل قامت الوزارة بطرد الجزء الآخر من الهيئات الفيدرالية الرياضية من مقرها الكائن بدالي ابراهيم، والموجود بمحاذاة اتحادية كرة القدم، وحوّلته إلى مقر لقطاع الشباب؛ فكيف يمكن إذن مطالبة هذه الاتحاديات الرياضية بتطبيق برنامج رياضي، يهدف إلى تطوير الطاقات الشبانية وهي تعيش التشرّد الحقيقي؟! 

لقد أصبح مستقبل هذه الاتحاديات محل تساؤل كبير من قبل الأوساط الرياضية؛ هل سيتعيّن فعلا الاعتماد عليها في تسيير مختلف الفروع الرياضية لتكوين وإنجاب أبطال رياضيين بإمكانهم الارتقاء إلى المستوى العالمي، أم نقول: ما جدوى الاحتفاظ بها مادامت عجزت في السنوات الأخيرة عن رفع مستوى الرياضة في الجزائر؟ بل إنّ كثيرا من رياضييها بعيدون جدا عن المستويين العربي والإفريقي؛ فما بالك بالمستوى الدولي ما عدا بعض الاستثناءات التي تُعدّ على الأصابع.

هجرة الإطارات.. ضربة قوية

لكن المتابع عن قرب لمسار هذه الهيئات الفيدرالية الرياضية انطلاقا من السبعينات إلى حدّ اليوم، يدرك بسرعة أنّ عوامل كثيرة جعلت دورها يتراجع بشكل مذهل، ويأتي في مقدّمة هذه العوامل هجرة إطاراتها الرياضية؛ من تقنيين ولاعبين وخبراء دوليين في مختلف الاختصاصات، إلى خارج الوطن، وبالضبط نحو بلدان الخليج العربي، مثل الإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية وقطر والبحرين والكويت، حيث وجدوا ما يمكن أن يلبي طموحاتهم سواء في الجانب المادي أو في ما يتعلق بتوفير شروط العمل. وكانت مساهماتهم في رفع مستوى الرياضيين والأندية والمنتخبات بهذه البلدان، واضحة.

وكانت وزارة الشباب والرياضة فكّرت سابقا، في محاولة استرجاع هذه الإطارات الرياضية، لكنها عجزت عن تحقيق ذلك، فكانت المبادرة في نظرنا، مجرد تخمينات من مسؤولين كانوا يدركون أن ذلك شيء مستحيل في ظل عجز الوصاية عن توفير شروط هذه عودة ”الدياسبورا الرياضية الجزائرية في الخارج”.

خلافات الوصاية مع ”الكوا” أثرت سلبا على مهمة الاتحاديات

وأكثر ما زاد في دهشة الأوساط القريبة من الاتحاديات الرياضية هو قيام الوصاية بعملية إقصاء ممنهجة لإطارات رياضية، تجر وراءها خبرة طويلة في مجال تسيير الاتحاديات الرياضية، أوصلتها إلى صنع أبطال عالميين ودوليين في فترة زمنية ليست بعيدة، حيث تمّ منع هذه الإطارات من المشاركة في عملية تجديد رؤساء وأعضاء مكتب الفيدراليات بدون أن تقدّم الوزارة مبررات قانونية لهذا الإجراء الذي اتّخذته في حق هذه الإطارات، بعضها لازالت تحتفظ بعضويتها في الكونفدراليات الإفريقية والاتحادات العربية، بل حتى في المنظمات العالمية الرياضية في شتى الاختصاصات الرياضية؛ بمعنى أن الإطار الرياضي الجزائري الكفء، يهان في وطنه، ويُحترم خارجه. حدث هذا في عهد الوزير السابق للقطاع الهادي ولد علي. وزاد الطين بلة التوتر الكبير الذي وقع خلال عملية انتخابات اللجنة الأولمبية الجزائرية، فستّ من بين الاتحاديات الرياضية رفضت تزكية هذه الانتخابات؛ في موقف كان قريبا من أطروحات الوصاية، التي عارضت انتخاب مصطفى بيراف على رأس اللجنة الأولمبية.

وللأسف الشديد، فإن آثار هذه الخلافات لازالت إلى حدّ الآن، تعكّر الأجواء داخل الأوساط الرياضية للاتحاديات. ولا وجود اليوم لمقاربة بين الوصاية واللجنة الأولمبية، تصبّ في وعاء تطوّر الرياضة الجزائرية بسبب المواقف المتباعدة بين الطرفين.

هذا الوضع دفع بالاتحاديات الرياضية إلى إنشاء جمعية خاصة بها، تهدف إلى التحرّر من هيمنة الأطراف الرياضية، التي تسعى إلى استعمالها في الصراعات وفي الخلافات الرياضية، وما أكثرها بسبب الأطماع الشخصية التي تحاول استغلال مثل هذه الأوضاع لتحقيق مآربها!

لماذا التأخر في العمل بالمراسيم التطبيقية لقانوني 2013 و2015؟

لا شك في أنّ الأطراف الرياضية الجزائرية الفاعلة، ليست اليوم في حاجة إلى تصفية الحسابات فيما بينها بقدر ما يتعيّن عليها العمل على تكريس الجدية في رفع مستوى الممارسة الرياضية في وطننا، ومنع الطفيليين الذين يتغذون من الصراعات التي كانت سببا في زعزعة استقرار المنظومة الرياضية.

اليوم، لا أحد ينكر أنّ وزارة الشباب والرياضة مطالَبة بالانطلاق في إصلاح حال الاتحاديات الرياضية، وجعلها متوافقة مع تطلعات الرياضي الجزائري الراغب في الارتقاء إلى المستوى العالمي في شتى الاختصاصات الرياضية، عن طريق إعداد مخطّط يضمن السير الحسن للقطاع الرياضي. والبداية تكون عن طريق تطبيق مراسيم قانوني 2013 و2015، التي بقيت إلى حدّ الآن، حبرا على ورق، وهي كفيلة بالانطلاق في إصلاح شامل للمنظومة الرياضية في بلادنا.