تسعة وعشرون سنة مرت على آخر إنجاز حققه المنتخب الوطني في كأس أمم إفريقيا، و هو يتواجد اليوم على عتبة الحصول على ثاني تتويج في هذه المنافسة القارية التي لا زالت تعتبر من بين أحسن الدورات الكروية في العالم، ولا يمكن التقليل من شأنها لأنها تجمع لاعبين كبار وممتازين يصنعون أفراح أكبر الأندية في العالم. لذا يمكن اعتبار ما حققه “الخضر” في الكأس القارية التي تحتضنها مصر، بمثابة إنجاز كبير ستزيد من شأن كرة القدم الجزائرية أكثر فأكثر، في حالة حصولنا على اللقب القاري في نهائي يوم الجمعة أمام منتخب السينغال.

تشكيلة المدرب جمال بلماضي تحوز الآن على أحسن الأرقام لدورة مصر حتى قبل إسدال الستار على منافستها، وتتوجه نحو تحطيم الرقم القياسي في هذا الجانب لكأس أمم إفريقيا، فهي الأولى في عدد الأهداف المسجلة بإحراز اثنتا عشر إصابة، وتملك أحسن خط دفاع بتلقيه هدفان فقط، فضلا عن أن كل الذين يتابعون أطوار هذه الدورة يؤكدون على أن الجزائر تكسب منتخبا متكاملا في خطوطه الثلاثة. وتؤكد هذه الأرقام أحقية “الخضر” في الوصول إلى نهائي هذه الكأس، بل يستفيدون قبل إجراء هذا الأخير من تكهنات الاختصاصيين لانتزاع الكأس، بالرغم من أن زملاء محرز لا يمكنهم الاستهانة بقوة وبراعة “التيرينغة” (تسمية المنتخب السينغالي) لإدراكهم أن كرة القدم ليست علما دقيقا، وأن المباراة النهائية ليست كباقي المباريات السابقة، حيث ستكون مرتبطة بعدة اعتبارات لها علاقة بالجانبين النفسي والبسيكولوجي والاستعداد البدني والتكتيكي، بل إن الخضر مجبرون على التعامل بشكل إيجابي، مع الضغط القوي الذي سيكون حاضرا في يوم مباراة النهائي.

يمكن القول بأن الفريق الوطني تجاوز الأهداف التي كانت مسطرة قبل خوض هذه المنافسة الكروية من طرف الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، أو من قبل الناخب الوطني جمال بلماضي، الذي كانت تصريحاته قبل الانتقال إلى مصر، متأرجحة بين الخوف من الإخفاق وتحقيق آمال الجماهير الجزائرية، لاسيما أنه لم يكن يعرف بالتدقيق قوة وضعف المنتخبات الإفريقية المشاركة في هذه الدورة. فمنها من تغير تعدادها بشكل جذري، ومنها من تراجع مستواها، على غرار منتخب البلد المستضيف للدورة الذي كان خروجه في الدور الأول للمنافسة منطقي إلى أبعد حد، بل وفتح باب أمل التتويج بالكأس للمنتخبات التي بقيت في السباق، لاسيما بالنسبة لمنتخبنا الوطني، رغم أن مهمته لم تكن سهلة في المباريات التي خاضها ضد السينغال، كوت ديفوار وغينيا ونيجيريا في الدور نصف النهائي، أربعة منافسين أسالوا العرق البارد للاعبي المدرب جمال بلماضي ولأنصار الخضر.

اليوم الجماهير الجزائرية تنظر إلى المدرب جمال بلماضي، بمثابة رجل الانفراج والأمل في الكرة الجزائرية، بالنظر إلى العمل الدؤوب الذي يقوم به منذ تعيينه على رأس العارضة الفنية للفريق الوطني. فقد أبان بلماضي عن احترافية كبيرة في العمل من خلال اختياراته الدقيقة لتعداد الفريق الوطني الذي استلمه، وهو في حالة هراء، واضطر إلى إعادة بناء قواعده ولم يبال بالانتقادات التي أطالته، لا سيما عند استدعائه للاعبين، ظن البعض أنهم لا يفيدوا الفريق الوطني، على غرار الحارس رايس امبولحي والمدافع عيسى ماندي ووسط الميدان عدلان قديورة، لكن بلماضي كان يعرف ما يريد فعله وليس الحق لأي أحد اليوم إلقاء اللوم عليه، حتى ولو خسرنا المباراة النهائية ضد السينغال، ذلك أن بلماضي أعاد الروح إلى المنتخب الوطني ووضعه في مصف المنتخبات الإفريقية الكبيرة، بل دعمه حتى في الترتيب العالمي الذي تعده “الفيفا”.  الآن كيف سيكون حال الفريق الوطني في المباراة النهائية التي ستجمعه مع السينغال يوم الجمعة القادم؟ تساؤل يربك الجماهير الجزائرية، ذلك أن المباريات النهائية لا تشبه المباريات السابقة، وأن أي منافس فيها مضطر إلى الرمي بكل ثقله للتتويج بالكأس. القول بأن مهمة “الخضر” ستكون سهلة، يعد بمثابة استهزاء خاطئ بالمنتخب السينغالي الذي لعب دورا كبيرا في نهائيات كأس أمم إفريقيا، حتى ولو أنه يعد الوحيد بين المنتخبات الإفريقية الذي لم يتوج بالكأس.

ومثلما قال مدربه كامارا بعد الانتصار المحقق في نصف النهائي أمام التونسيين، فإن منتخب السينغال مجبر على تسجيل اسمه في تاريخ الكرة الإفريقية من خلال التتويج بالكأس، لكن هذا التصريح اعتبره المحللون والملاحظون الرياضيون بمثابة حرب بسيكولوجية على المنتخب الجزائري، الذي يبدو أنه متفوق في هذا المجال، ما دام أنه فاز على السينغاليين في الدور الأول من هذه الكأس.