طال “الحراك الشعبي” الذي تشهده الجزائر منذ يوم 22 فيفري الماضي، عبر مسيرات ضخمة في كامل أرجاء البلاد، للمطالبة برحيل النظام الحالي ورموزه، الاتحاد الجزائري لكرة القدم ورئيسه خير الدين زطشي ومكتبه الفدرالي..

ليس فقط بتعالي أصوات تطالب برحيلهم، وإنما بوقوعه رفقة أعضاء مكتبه في تجاوزات قانونية خطيرة إثر تسريب وثائق تدينهم، وتورّط الوزير السابق للشباب والرياضة الهادي ولد علي، إزاء “المهزلة” التي حصلت يوم 20 مارس من العام 2017، خلال الجمعية العامة الانتخابية للفاف، كما شملت التسريبات أيضا محضر الجمعية العامة الانتخابية، الذي أكّد دوس زطشي على القوانين من خلال ضم عبد الله قداح وأحسن أزرور للمكتب الفدرالي مؤخرا لتعويض العضوين المستقيلين جهيد زفزاف وبشير ولد زميرلي، رغم أن اسميهما غير مدوّنين لا في القائمة الإضافية ولا في أي قائمة أخرى.

وكانت ستاد نيوز قد كشفت قبل موعد الجمعية الانتخابية للفاف، عن دور الوزير السابق في فرض زطشي رئيسا للفاف بالقوة، حيث استعمل كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لجعل زطشي مرشحا وحيدا لرئاسة الاتحاد، وأبرزها تدخله الصارخ في صلاحيات اللجنة الانتخابية والجمعية العامة، ما يتناقض مع لوائح وقوانين الفيفا، التي تدين مثل هذه التصرفات بل وتعاقب الاتحادات المتورطة فيها عبر تجميد نشاطها إلى غاية عودتها إلى الشرعية، وفي خضم تصاعد حدة “الحراك الشعبي” المطالب بالتصدي واقتلاع كل رموز الفساد في البلاد، يحاول رئيس الفاف خير الدين زطشي ركوب “الموجة” عبر خروجه بتصريحات يؤيد فيها المطالب الشعبية، لكن مصداقيته تلقت ضربة موجعة إثر تسريب وثائق تؤكد تدخل السلطة ممثلة في وزير الشباب والرياضة السابق الهادي ولد علي، في فرض زطشي رئيسا بالقوة.

وبحسب مراسلة تم تسريبها، وموجهة من طرف الأمين العام للوزارة مطلع شهر مارس من العام 2017، تضمنت المراسلة “طلبا” من الوزارة لرئيس اللجنة الانتخابية وقتها علي باعمر رئيس الرابطة الولائية لورقلة، بـ “ضرورة التقيد بالقرار الصادر عن اجتماع اللجنة الانتخابية يوم 13 مارس من نفس العام، وهو تأكيد عقد الجمعية العامة الانتخابية بتاريخ 20 مارس”، وضمت المراسلة عبارة غريبة هي: “في إطار القوانين التي تحكم الجمهورية”، رغم أن المراسلة في حد ذاتها خرق لها ولجميع القوانين والأعراف المعمول بها في مثل هذه المسائل، وجاءت هذه المراسلة إثر قيام باعمر بالإعلان على موقع الفاف بأن اللوائح تقتضي ضرورة تأجيل الجمعية الانتخابية إلى يوم 27 أفريل من نفس العام أي 60 يوما بعد عقد الجمعية العامة العادية مثلما تنص عليه المادة (26 البند 1 و2) من القوانين الأساسية، وتم حينها سحب البيان بطريقة غامضة من الموقع، قبل أن ينسحب باعمر من منصبه متحججا بالمرض، ويترك منصبه شاغرا، وقامت وزارة الشباب والرياضة بعدها، عبر ممثلها مدير الرياضات السابق عبد المجيد جبّاب بدعوة كل من حسان حمّار رئيس لجنة الطعون ومحمد زرواطي وكذا رئيس رابطة العاصمة رشيد أوكالي  ورئيس رابطة وهران ميلود غربي ومحمد المورو للإشراف على الانتخابات رغم عدم شرعية الاستعانة برئيس الوفاق كونه لا يمكنه الجميع بين منصبي رئاسة لجنة الطعون وعضوية لجنة الترشيحات، وتم خلالها أيضا مكافأة أعضاء لجنة الترشيحات بمنحهم منصبا في المكتب الفدرالي، حيث رشّح حمار رئيس رابطة ولاية سطيف مسعود كوسة، ورشح زرواطي رئيس رابطة ولاية باشر رشيد قاسمي، بينما رشح محمد المورو، العربي أومعمر، والثلاثة هم حاليا أعضاء في المكتب الفدرالي.

وبرز دور الوزير السابق ولد علي، في فرض زطشي رئيسا بالقوة، من خلال قيام لجنة الطعون “الفاقدة للشرعية” أصلا، برفض 8 ملفات لمترشحين، وكشف بيان للفاف وقتها بأن قرار الرفض مس ملفات كل من مولدي عيساوي، عبد الكريم مدوار، يوسف عزوز، منصور بلجودي، جمال  شريف، رشيد عصمة، والآنسة بلقاضي (حكمة سابقة).

تجاوزات قانونية بالجملة

كانت “ستاد نيوز” قد نشرت بالتفصيل التجاوزات القانونية التي تم ارتكابها قبيل موعد الجمعية الانتخابية، والتي جسدت حالة التسيب والفوضى التي سيطرت على الفاف منذ نهاية شهر جانفي 2017، وكذا نهاية عهدة المكتب الفدرالي الذي كان يرأسه محمد روراوة، وبحسب القوانين الأساسية للفاف والقانون الانتخابي فإن لجنة الترشيحات تفتقد للشرعية، لعدد من الأسباب أولها أن رئيسها علي باعمر يرأس رابطة ورقلة الجهوية والتي كانت تنشط دون اعتماد رسمي على غرار العديد من الرابطات وعلى رأسها الرابطة المحترفة لكرة القدم، وبالتالي فإن تواجد باعمر على رأس لجنة الترشيحات كان أصلا غير قانوني، كما أن اللجنة الانتخابية ضمت 4 أعضاء فقط، وضمت لجنة الطعون 3 أعضاء فقط، رغم أن المادتين الرابعة والخامسة من القانون الانتخابي للفاف تنص على ضرورة أن تكون لجنة الترشيحات مكونة من 7 عناصر منها رئيس ونائب رئيس إضافة إلى 3 أعضاء احتياطيين، كما تنص المادتان أيضا على أن تتكون لجنة الطعون من 3 أعضاء (يجب أن يكون أحدهم يملك تكوينا قانونيا حسب المادة 12) إضافة إلى عضوين احتياطيين، وهي الشروط التي لم تتوفر في لجنتي الترشيحات والطعون اللتان انتخبتا يوم 27 فيفري الماضي، كما وقعت لجنة الترشيحات في خطأ قانوني آخر، وهو تحديد تاريخ 8 أفريل 2017 للإعلان عن القائمة النهائية للمترشحين أي 20 يوما قبل موعد الانتخابات، رغم أن المادة 13 من القانون الانتخابي تنص على أن يتم الإعلان عن القوائم النهائية 15 يوما قبل موعد الجمعية العامة الانتخابية.

وفيما يخص الأعضاء المستقيلين من المكتب الفدرالي، فإن المادة 33، البند الرابع من القوانين الأساسية للفاف تنص على أن يتم تعويض المناصب الشاغرة بأعضاء من القائمة الإضافية الذين تم تدوين أسمائهم بها خلال الجمعية العامة الانتخابية، لكن الغريب في الأمر أن لا اسم قداح ولا أزرور ورد في القائمة غير الواردة أصلا في الوثيقة المسرّبة لمحضر الجمعية الانتخابية التي تملك “الشروق” نسخة منها، ما يؤكد عدم شريعة ضمهما للمكتب الفدرالي.

باعمر اتهم ولد علي ضمنيا بالتورط في الفضيحة

وكان علي باعمر وخلال حديث مع “ستاد نيوز” وقتها، قد اتهم ضمنيا كلا من ولد علي وحسان حمار، بتورطهم في المهزلة الانتخابية التي حصلت، إذ قال: “لقد أظهرت للجميع الطريق الصحيح الذي يجب أن تسلكه انتخابات رئاسة الفاف، ومن اتخذ قرارا غير ذلك فليتحمل مسؤوليته”، مضيفا: “لا أريد المشاركة في المهزلة، وأؤكد لكم بأنني لن أحضر الجمعية العامة الانتخابية، ولن أقوم أصلا باستدعاء أعضائها وفق ما تمليه القوانين لأن قيامي بذلك يعني بأنني أبارك وأزكي الاعتداء الصارخ على القوانين، لقد تم الدوس على القرارات التي اتخذناها بتأجيل الأشغال وبالتالي فإن اللجنة تفتقد للشرعية وكل القرارات التي اتخذتها بعد سحب البيان الأول، غير قانونية أيضا”، وتابع:”لقد تلقينا قبل انقضاء الآجال القانونية طلبات لثمانية مترشحين، قدموا ترشيحا فرديا لعضوية المكتب الفدرالي، وإقصاؤهم منطقي لأنهم أخطأوا في اتباع الإجراءات المناسبة بداعي جهلهم للقوانين، لكنني أتساءل لماذا قامت هذه اللجنة بالكيل بمكيالين مع المترشحين زطشي وعبد الكريم مدوار؟؟.. زطشي قدم قائمة منقوصة من 3 أعضاء منهم 3 أعضاء آخرين لا يحق لهم الترشح وقامت اللجنة بمنحه الفرصة لتصحيح أخطائه خارج الآجال، بعكس مدوار الذي تم رفض ملفه بشكل مفضوح دون منحه أي فرصة على غرار منافسه، لقد كانت هناك فعلا نية مبيّتة لترجيح كفة مترشح على حساب آخر”، وختم: “لقد تحدثت بشكل غير مباشر للسلطات العمومية، وقلت لهم بأننا نسير في طريق مسدود، لأنه تم الدوس على قوانين الجمهورية، عيب أن نفرض المنطق بالقوة بدلا من التزام بالقانون”.

هل ستتدخل الفيفا؟؟

وإذا كانت الفيفا تمنع فعلا تدخل الحكومات في عمل الاتحاديات الكروية، وتسلّط عقوبات تصل إلى حد الإيقاف، أو إعادة الانتخابات وهو الأمر الذي ينطبق على وضعية الفاف، إلا أن الفيفا لا يمكنها أن تتدخل إلا في حالة قيام أحد أعضاء الجمعية العامة للفاف بتقديم شكوى لديها بالدلائل والإثباتات على حدوث تجاوزات قانونية أو تدخل مباشر من الحكومة، وهو الأمر الذي لم يقم به عمليا أي طرف في وقت سابق، مخافة أن مواجهة تهم بـ “الخيانة” و”تدويل مشاكل داخلية” و”التسبب في مشاكل للجزائر”، لكن ما تعيشه البلاد من “حراك” قد يغيّر الوضع ويدفع بمعارضي المكتب الفدرالي الحالي نحو “فوهة المدفع” عبر تدويل القضية بأروقة الفيفا، التي تحقق أصلا، مثلما كشفت عنه “الشروق” مطلع شهر مارس الحالي، في الفساد المستشري في المنظومة الكروية الجزائرية.