لم تكن قضايا الفساد التي ما فتئت تنخر جسد المنظومة الكروية الجزائرية وليدة الفترة الراهنة، بل أن المتتبعين يجمعون على أن الأساليب اللارياضية، في تسيير الهيئات أو حتى النوادي والمنافسة في حد ذاتها، تعود إلى سنوات خلت، لكن الذروة كانت في خلال العشرية السوداء، باستغلال الظروف الأمنية العصيبة، التي كانت تمر بها البلاد من أجل الاعلان عن ميلاد جيل جديد من الرؤساء والحكام، فرض منطقه، وأحكم قبضته في إدارة شؤون الكرة الجزائرية، و”عشعش” الفساد، إلى درجة أن “التباهي” بقضايا الرشوة وترتيب المباريات، أصبح “موضة” تصنع المادة الدسمة للنقاش في “البلاطوهات”.
بالموازاة مع ذلك، فإن إشكالية “الدليل المادي القاطع” وكذا الهيئة المخول لها قانونا اللجوء إلى العدالة، كانت من بين العقبات، التي حالت دون الضرب بيد من حديد إزاء هذه الظاهرة، لأن التجرد من المسؤولية “القانونية” كان وراء اتساع “بؤرة الفساد”، وذلك باستغلال “الصمت”، الذي إلتزمته الفاف تجاه التصريحات الخطيرة، التي ظلت تدلي بها أطراف فاعلة في المنظومة الكروية الوطنية.
إلى ذلك، فإن بعضا من أبرز ما تحتفظ به الذاكرة في الساحة الكروية الجزائرية حملة “التطهير”، التي قام بها روراوة في صائفة 2005، لما قرر شطب 43 حكما نهائيا من السلك، كانوا يتولون إدارة مباريات الوطني الأول، برتبة دوليين وفيدراليين، وذلك بعد الاشتباه في ضلوعهم في قضايا فساد، تقترن بترتيب نتائج المباريات، وهي الحملة التي كان الفصل الثاني منها، عبارة عن سابقة في تاريخ الكرة الجزائرية، لما قرر اعتماد إسقاط 4 أندية، على خلفية التورط في قضايا تمس بأخلاقيات الرياضة، وذلك في الجولات الأخيرة من الموسم، وقد مسّ قرار “الإسقاط الإداري” كل من شبيبة تيارت، مستقبل الرويسات، اتحاد تبسة واتحاد تاورة.
“الجرأة” في اتخاذ القرارات المتعلقة بقضايا الفساد، كانت قد سجلت مرة ثانية في أفريل 2015، عندما قررت الفاف بقيادة روراوة اقصاء الحكمين محمد أمين رزقان وشكري بشيران مدى الحياة من الساحة الرياضية، بسبب تورطهما في قضية طلب رشوة، عندما أقدم هذا الثنائي على مساومة مسيري نصر حسين داي من أجل تسهيل مهمة فريقهم في لقائه ضد شباب قسنطينة، وهي “الفضيحة” التي كانت قد فجرتها إدارة “النهد” قبل موعد المباراة ب 24 ساعة، وقدمت تسجيلات إلى المكتب الفيدرالي، فكان رد فعل الاتحادية قويا.
وفي سياق متصل، فإن حملة مكافحة الفساد، أسقطت الكثير من الرؤوس التي كانت قد أحكمت قبضتها على تسيير، ما كانت تسمى “إمبراطورية الفساد” في رابطة باتنة الجهوية، في قضية فجرها بعض رؤساء النوادي في سبتمبر 2015، وكشفت عن وجود أعضاء كانوا من أصحاب نفوذ في هذه الهيئة يعلمون بالتنسيق فيما بينهم، بالتواطؤ مع 10 حكام، من أجل ضبط نتائج المباريات، إلى درجة أن الأبطال يحددون قبل انطلاق كل موسم، وهي “الفضيحة” التي عبدت الطريق لرياح التغيير الشامل في هذه الرابطة، لكن من دون لجوء الفاف إلى العدالة، والاكتفاء بإقصاء المتسببين مدى الحياة من الساحة الكروية.
مشهد آخر من قضايا الفساد، كان قد وضع المنظومة الكروية الوطنية في مفترق الطرق في صائفة 2016، بسبب حادثة مباراة شباب عين فكرون وجمعية الخروب، ومقطع “فيديو” الهدف الذي كان وراء نجاة “لايسكا”، وجر اتحاد الشاوية إلى قسم الهواة، لأن تلك القضية بلغت مختلف الهيئات القضائية، بعدما قرر المكتب الفيدرالي في بادئ الأمر اعتماد سقوط “الفكرون” إداريا، لكن دون “انقاذ” الشاوية، بحجة تسهيل مهمة المنافس في الفوز، إلا أن المحكمة الرياضية أصدرت بعدها أمرا قضائيا استعاد بموجبه “السلاحف” المكانة في الرابطة الثانية.
من الجهة المقابلة، فإن بعض القضايا التي طفت على السطح حتى وأن كان لديها “صدى” عند تفجيرها، فإن مفعولها سرعان ما “يبطل”، لأن الهيئة الكروية المخول لها قانونا الضرب بيد من حديد تتنصل من مسؤوليتها الرياضية، وتطلب من المعنيين اللجوء إلى الجهات القضائية، ليتم تفريغ الملف من “الطابع الرياضي”، ويصبح عبارة عن قضية “مدنية”، بالافتقار للدليل المادي القاطع، الذي يثبت التهمة مباشرة، مع ظهور “وسطاء” في جميع القضايا، وهو الانطباع الذي ينطبق على ملف شباب باتنة وشبيبة الساورة منذ 4 سنوات، وكذا قضية “الكاب” ودفاع تاجنانت قبل موسمين.